الشيخ محمد رشيد رضا
109
الوحي المحمدي
فعل القرآن في أنفس الأمة العربية وإحداثها به أكبر ثورة عالمية تهود أناس من العرب ، وتنصّر منهم أناس آخرون من قبل الإسلام بقرون ، وكان كل منهم يمدح دينه ويدعو إليه بالطبع . فلم يعاد الجمهور أحدا منهم أو يحتقره لدينه بل كان لزعماء اليهود المستعربين وشعراء النصارى من العرب عندهم مكانتهم اللائقة بهم كأمثالهم من المشركين ، ولم يكن لليهودية ولا للنصرانية أدنى صولة في مكة ، ولا خافها رؤساء قريش على زعامتهم الدينية ولا الدنيوية ، فلما قام فيهم محمد ابن عبد اللّه يتلو عليهم القرآن باسم اللّه زلزلت الأرض بهم زلزالها ، وثاروا عليه ثورتهم الصغرى ، ثم ثارت الأمة به ومعه ثورتها الكبرى ، وهي التي بدلت الأرض ، والقلوب غير القلوب ، والعقول غير العقول وقلبت نظام الاجتماع العام . وقد كان فعل القرآن في أنفس العرب وإحداثه تلك الثورة الكبرى فيهم على نوعين أولهما ما أحدثه من الزلزال في المشركين ، وثانيهما تزكيته للمؤمنين ونزعه كل ما كان بأنفسهم من غل وجهل وظلم وفساد . حتى أعقب ما أعقب من الإصلاح في العالم كله ؛ وأمهد لبيان ذلك بكلمة في حالهم في عصر ظهور الإسلام . بينا مرارا أن اللّه تعالى قد أعد الأمة العربية - ولا سيما قريش ومن حولها - لما أراده من الإصلاح العام للبشر بكونهم كانوا أقرب الأمم إلى سلامة الفطرة ، وأرقاهم لغة في التعبير والتأثير ، وأقواهم استقلالا في العقل والإرادة . لعدم وجود ملوك مستبدين فيهم يضعفون إرادتهم ويفسدون بأسهم ، ويذلون أنفسهم بالقوة القاهرة ، ولا رؤساء دين أولى سلطان روحي يسيطرون على عقولهم وقلوبهم ، ويتحكمون في عقائدهم وأفكارهم ، ويسخرونهم لشهواتهم ، وكانت جميع الأمم ذات الحضارة والملل مستعبدة مستذلة لزعماء هاتين الرئاستين ، حاش العرب . فلما بعث فيهم محمد صلّى اللّه عليه وسلم بهذا القرآن الداعي إلى الحق وإلى صراط مستقيم ، كانوا على أتم الاستعداد الفطري لقبول دعوته ، ولكن رؤساء قريش كانوا على مقربة من ملوك شعوب العجم ؛ في التمتع بالثروة الواسعة ، والعظمة الكاذبة ، والشهوات الفاتنة ، والسرف في الترف ، وعلى حظ مما كان عليه رؤساء الأديان فيها من المكانة الدينية بسدانتهم لبيت اللّه الحرام . الذي أودع اللّه تعظيمه في القلوب من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ،